كتب/ سمير المراغى
على بُعد كيلومتر فقط من الأهرامات الخالدة، لا يقف "المتحف المصري الكبير" مجرد مبنى ضخم؛ بل يقف كبوابة زمنية هائلة، تفتح فصلاً جديداً في تاريخ وريادة مصر الثقافية. لقرابة قرن من الزمان، كانت كنوز مصر معروضة في قلب القاهرة المزدحم، تنتظر فصلاً جديداً. اليوم، تم فك شفرة هذا الانتظاروتم الافتتاح على يد السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى وجهد وعرق ابناء مصر المخلصين .
المتحف المصري الكبير هو أكثر من مجرد مستودع للآثار. إنه صرح حضاري عملاق، تبلغ مساحته نحو 500 ألف متر مربع، وُلد من رحم الحلم والطموح ليصبح أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة.
🏛️ العمارة التي تحتضن التاريخ: واجهة الأهرامات
تم اختيار تصميم المتحف ليكون في تناغم بصري مع الأهرامات. الواجهة الأمامية للمتحف هي عبارة عن "مثلث هائل" من الجرانيت الشفاف، مصمم ليحدد بوضوح حافة هضبة الجيزة التاريخية، ويرمز إلى التدرج الزمني من الماضي القديم إلى المستقبل.
البهو العظيم: عند المدخل، يستقبل الزوار تمثال رمسيس الثاني الضخم (ارتفاعه 11 متراً)، وهو أيقونة بصرية ترمز إلى عظمة الحضارة.
الدرج العظيم: يمتد هذا الدرج على مساحة شاسعة، ويعرض قطعاً أثرية ضخمة (أكثر من 80 قطعة)، مرتبة زمنياً تصاعدياً لتبدأ رحلة الزائر من العصر الحجري حتى العصرين اليوناني والروماني، ليصعد بالزائر حرفياً نحو التاريخ.
الإطلالة الساحرة: من قمة الدرج العظيم، تُطل النوافذ مباشرة على أهرامات الجيزة، في مشهد يوصف بأنه التحفة الفنية الأعظم في المكان.
الكنز الذهبي: قاعة توت عنخ آمون
يشهد المتحف لحظة تاريخية غير مسبوقة بتقديم مجموعة الملك الشاب توت عنخ آمون كاملة، والتي يزيد عددها عن 5300 قطعة أثرية، لأول مرة في مكان واحد منذ اكتشافها عام 1922.
يتم عرض الكنوز داخل قاعات مخصصة تزيد مساحتها عن 7200 متر مربع، بتنظيم يروي قصة حياة ودفن الملك بشكل تسلسلي. وتعرض هذه القاعات:
التوابيت الذهبية الثلاثة.
المجوهرات والتمائم والأثاث الجنائزي.
المركبات الحربية التي استخدمها الملك.
تعتمد القاعات على أحدث تقنيات الإضاءة الذكية ونظام التحكم في الرطوبة والحرارة، لضمان أعلى معايير الحفظ لهذه المجموعة النادرة.
متحف المستقبل: التكنولوجيا وصون التراث
المتحف المصري الكبير لا يعرض الماضي فقط، بل هو معرض للمستقبل في مجال عرض الآثار وصيانتها:
مركز الترميم والصيانة (GCCM): يُعد الأكبر والأحدث في الشرق الأوسط، حيث يعمل فيه مئات الخبراء المصريين لترميم وصيانة الآثار باستخدام أجهزة متطورة مثل أجهزة المسح بالأشعة السينية ثلاثية الأبعاد.
التجربة التفاعلية: يعتمد المتحف على شاشات عرض عملاقة ونظام الواقع المعزز (Augmented Reality) الذي يتيح للزوار استكشاف الآثار في سياقها التاريخي الأصلي بطرق تعليمية وترفيهية مبتكرة.
الخدمات المكملة: يضم المتحف مجمعاً متكاملاً يشمل متحف الطفل، ومكتبة متخصصة في علم المصريات، ومناطق ترفيهية ومطاعم، لتقديم تجربة متكاملة للزائر.
قاطرة التنمية: الأثر الاقتصادي والسياحي
افتتاح هذا الصرح لم يكن مجرد حدث ثقافي، بل هو استثمار استراتيجي ضخم. يُتوقع أن يستقبل المتحف ما بين 5 إلى 7 ملايين زائر سنوياً، مما يجعله واحداً من أكثر الوجهات زيارة في العالم.
هذا التدفق السياحي المتوقع سيعيد رسم خريطة المزارات في مصر، ويخلق آلاف فرص العمل، ويضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد القومي، مؤكداً أن الثقافة والسياحة هما ركيزتان أساسيتان للاقتصاد الوطني.
دعوة مفتوحة للحضارة
المتحف المصري الكبير ليس نقطة نهاية لمشروع معماري، بل هو نقطة انطلاق جديدة لريادة مصر الثقافية العالمية. فمن خلال دمج التكنولوجيا المتطورة في العرض والترميم، يؤكد المتحف على أن صون التراث لا يتعارض مع الابتكار، بل يعززه.
وفي الختام، يقدم الـ GEM للعالم دعوة مفتوحة: دعوة لشهادة لحظة تاريخية، حيث يتم فيها توحيد كنوز أعظم حضارات الأرض تحت سقف واحد، محاطة بأضواء المستقبل. عندما يغادر الزائر قاعات المتحف، حاملاً معه صورة واضحة عن عظمة الفراعنة، سيعي أن مصر لم تقدم مجرد متحف، بل قدمت فصلاً جديداً كاملاً في كتاب التاريخ البشري. سيبقى المتحف المصري الكبير، شاهداً صامتاً، لكنه بليغ، على أن الماضي العظيم هو دائماً حجر الزاوية لمستقبل أكثر إشراقاً


